محمد جمال الدين القاسمي
124
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
مخصوص ، كما قيل : إنه يطلب في كل جهة من الجهات الأربع في ميل أو ينتظر إلى آخر الوقت حتى لا يبقى إلا ما يسع الصلاة بعد التيمم . إذ لا دليل على ذلك . فإذا دخل الوقت المضروب للصلاة ، وأراد المصلي القيام إليها فلم يجد حينئذ ما يتوضأ به ، أو يغتسل في منزله أو مسجده ، أو ما يقرب منهما ، كان ذلك عذرا مسوّغا للتيمم . فليس المراد بعدم الوجود في ذلك أن لا يجده بعد الكشف والبحث وإحفاء السؤال . بل المراد أن لا يكون معه علم أو ظن بوجود شيء منه هنالك ، ولم يتمكن في تلك الحالة من تحصيله بشراء أو نحوه . فهذا يصدق عليه أنه لم يجد الماء عند أهل اللغة . والواجب حمل كلام اللّه تعالى على ذلك ، مع عدم وجود عرف شرعيّ . وقد وقع منه صلى اللّه عليه وسلم ما يشعر بما ذكرناه . فإنه تيمم في المدينة من جدار . كما ثبت ذلك في الصحيحين « 1 » من دون أن يسأل ويطلب . ولم يصح عنه في الطلب شيء تقوم به الحجة . فهذا ، كما يدل على وجوب الطلب ، يدل على عدم وجوب انتظار آخر الوقت ، ويدل على ذلك حديث الرجلين اللذين تيمما في سفر ثم وجدا الماء . فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر : فقال صلى اللّه عليه وسلم للذي لم يعد : أصبت السنة . أخرجه أبو داود « 2 » والحاكم وغيرهما من حديث أبي سعيد . فإنه يردّ قول من قال بوجوب الانتظار إلى آخر الوقت على المتيمم . سواء كان مسافرا أو مقيما . كذا في ( الروضة الندية ) . الثالثة - دلت الآية على أن المسافر إذا لم يجد الماء تيمم . طال سفره أو قصر . الرابعة - قرئ في السبع ( لامستم ولمستم ) والملامسة واللمس يردان ، لغة ، بمعنى الجس باليد ، وبمعنى الجماع . قال المجد في ( القاموس ) لمسه يلمسه
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التيمم ، 3 - باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء ، حديث 232 ونصه : عن حميد الأعرج ، قال : سمعت عميرا مولى ابن عباس ، قال : أقبلت أنا وعبد الله بن يسار ، مولى ميمونة ، زوج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاريّ . فقال أبو الجهيم : أقبل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من نحو بئر جمل . فلقيه رجل فسلّم عليه . فلم يردّ عليه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ، ثم رد عليه السّلام . وأخرجه مسلم في : الحيض ، حديث 114 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في : الطهارة ، 126 - باب المتيمم يجد الماء بعد ما يصلي في الوقت ، حدث 338 ونصه : عن أبي سعيد الخدريّ قال : خرج رجلان في سفر ، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء . فتيمما صعيدا طيبا . فصليا . ثم وجدا الماء في الوقت . فأعاد أحدهم الصلاة والوضوء . ولم يعد الآخر . ثم أتيا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فذكرا ذلك له . فقال للذي لم يعد « أصبت السنة ، وأجزأتك صلاتك » وقال للذي توضأ وأعاد « لك الأجر مرتين » .